ابن العربي

424

أحكام القرآن

كانا وكيلين لم يقل لهما : أتدريان ما عليكما ؟ إنما كان « 1 » يقول : أتدريان بما وكّلتما ، ويسأل الزوجين ما قالا لهما . المسألة الثانية - قوله تعالى : حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها : هذا نصّ من اللّه سبحانه في أنهما قاضيان لا وكيلان ، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى ، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى ، فإذا بيّن اللّه سبحانه كلّ واحد منهما فلا ينبغي لشاد - فكيف لعالم - أن يركّب معنى أحدهما على الآخر ؛ فذلك تلبيس وإفساد للأحكام ، وإنما يسيران بإذن اللّه ، ويخلصان النية لوجه اللّه ، وينظران فيما عند الزوجين بالتثبّت ؛ فإن رأيا للجمع وجها جمعا ، وإن وجداهما قد أنابا تركاهما ! كما روى أنّ عقيل بن أبي طالب تزوّج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ، فقالت : اصبر لي وأنفق عليك ، وكان إذا دخل عليها قالت : يا بني هاشم ، لا يحبّكم قلبي أبدا ، أين الذين أعناقهم كأباريق الفضة ، ترد أنوفهم قبل شفاههم ! أين عتبة بن ربيعة ؟ أين شيبة بن ربيعة ؟ فيسكت حتى دخل عليها يوما وهو برم . فقالت له : أين عتبة بن ربيعة ؟ فقال : على يسارك في النار إذا دخلت ، فنشرت عليها ثيابها . فجاءت عثمان ، فذكرت له ذلك ؛ فأرسل ابن عباس ومعاوية . فقال ابن عباس : لأفرقنّ بينهما . وقال معاوية : ما كنت لأفرّق بين شيخين من بنى عبد مناف . فأتياهما فوجداهما قد سدّا عليهما أبوابهما ، وأصلحا أمرهما . وفي رواية أنها لما أتيا اشتمّا رائحة طيبة وهدوّا من الصوت . فقال له معاوية : ارجع فإني أرجو أن يكونا قد اصطلحا . وقال ابن عباس : أفلا نمضي فننظر أمرهما ؟ فقال معاوية : فتفعل ما ذا ؟ فقال ابن عباس : أقسم باللّه لئن دخلت عليهما فرأيت الذي أخاف عليهما منه لأحكمنّ عليهما ثم لأفرقنّ بينهما . فإن وجداهما قد اختلفا سعيا في الألفة ، وذكّرا باللّه تعالى وبالصحبة ؛ فإن أنابا « 2 » وخافا أن يتمادى ذلك في المستقبل بما ظهر في الماضي ، فإن يكن ما طلعا عليه في الماضي يخاف منه التمادي في المستقبل فرّقا بينهما .

--> ( 1 ) في ا : أما بأن يقول . وهو تحريف . والمثبت من ل ، والقرطبي . ( 2 ) أنابا : رجعا .